Saturday, March 31, 2012

الأقباط يختارون البابا وسط العاصفة



مجدي سمعان
Egypt Source
لا تكاد تمر عظة بالكنائس القبطية دون أن يتخللها دعاء أو كلمات تعكس حالة القلق
القبطي مما تحمله موجات التغيير التي تجتاح البلاد. جاء رحيل البابا شنودة الثالث،
بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 17 مارس الماضي عن عمر يناهز 88 عاما ،
ليزيد حالة القلق مما يحمله المستقبل لحوالي 10 مليون قبطي، إلا أنه قد يدفع إلى
بحث الأقباط عن زعامة مدنية تحل محل البابا في ظل عدم طرح أسماء لخلافة البابا
تحظى بنفس شعبيته.

كانت الحشود الهائلة والحزن الكبير انعكاسا لحالة القلق هذه على رحيل رجل مثل الأقباط
لنحو 40 عاما اعتلاها على كرسي الاسكندرية شهدت خلالها البلاد مد طائفي متزايد،
عانى خلاله الأقباط من التهميش والعنف الذي طال الأرواح والممتلكات. وبالرغم من
مواقفه التي كانت تميل إلى تأييد النظام الديكتاتوري في مصر إلا أن الأقباط كانوا
يرون في البابا حصن أمان في وقت العواصف.

مصدر قلق الأقباط يأتي من تزايد نفوذ الإسلاميين الذين يسعون للسيطرة على بقية السلطات
بعدما سيطروا على البرلمان، وبالرغم من أن مواقف الإسلاميين تمثل مصدر قلق بين
الأقباط مثل حديثهم عن إعمال بعض نصوص الشريعة الإسلامية فإن جماعة الإخوان
المسلمين وحزب الحرية والعدالة الذراع السياسي لها يسعون إلى طمئنت الأقباط، من
خلال اللقاءات والحوار بين ممثلي الطوائف الدينية القبطية وبين قيادة الجماعة.

خلال زيارته العلاجية الأخيرة للولايات المتحدة علم البابا شنودة من أطبائه أن حالته
الصحية قد وصلت إلى مرحلة ميئوس منها، فآثر العودة إلى أرض الوطن عالما أنه لم يتبقى له على الأرض
سوى أيام معدودات.
لم ينتظر البابا شنودة حتى عودته لتحديد موعد للقاء مرشد جماعة الأخوان الإخوان
المسلمين الدكتور محمد بديع، وهو اللقاء الذي ألح في طلبه المرشد لعام كامل وماطل
البابا في الاستجابة له. التقي الرجلان يوم 7 فبراير الماضي قبل رحيل البابا ب 40 يوما في لقاء غلب عليه
المجاملات دون الخوض في أحاديث سياسية نظرا لذهاب المرشد للسؤال عن صحة البابا. قد
تكون مبادرة البابا بتحديد موعد على عجل في اللقاء المؤجل مرجعه خشية البابا من
تبعات رحيله دون كسر الجليد ومد جسور الحوار مع الجماعة التي يعتقد أنها ستهيمن
على الأوضاع السياسية في البلاد.
بعث اللقاء برسالة إلى الأقباط مفادها أن عليهم أن يتعاملوا مع الأمر الواقع، لمحاولة
تقليل الخسائر التي قد تطولهم، لكن مع ذلك فحالة القلق القبطي تتزايد يوما بعد
يوم، فالتطيمنيات التي يبعثها الإسلاميين لا يصاحبها ضمانات حقيقية.
تزامن لقاء البابا بالمرشد بلقاءات أخرى عقدتها المرشد مع رؤساء الطوائف المسيحية
القبطية الأخرى، حيث ألتقى بقيادة الطائفة الإنجيلية والكاثوليكية. قيادات هذه
الطوائف المسيحية يبدو أنها سلمت بالأمر الواقع بعد الهزيمة التي نالتها التيارات
السياسية المدنية التي وقفت الكنيسة خلفها في الانتخابات البرلمانية التي حصل فيها
الإخوان والسلفيين على أكثر من 70% من مقاعد مجلس الشعب، وبات واضحا للكنيسة أن
الأحزاب المدنية التي راهنت عليها لم تكن حصانا رابحا، فراحت تتفاوض كارهة مع
التيار الإسلامي الذي يسيطر على عملية صياغة الدستور من خلال أغلبيته في مجلس
الشعب ويسعي لتوسيع سلطاته من خلال إعلان جماعة الإخوان المسلمين أنها ربما تغير
موقفها الذي أعلنت عنه سابقا من أنها لن تنافس على منصب الرئاسة.
ففي نفس الشهر الذي بدأت فيه لجنة الانتخابات الرئاسية في فتح باب الترشيح لأعلى منصب
سياسي في البلاد، تجري اجراءات موازية لانتخاب قائد جديد للكنيسة القبطية
الأرثوذكسية.
البابا شنودة لم يكن مضطرا للتعامل المباشر مع الإخوان المسلمين ورفض مقابلتهم أثناء حكم مبارك وكان تبريره أنهم
جماعة محظورة. لكن البابا الجديد سيكون عليه التعامل مع تلك التيارات، وفي نفس
الوقت مع جيل جديد من الناشطين السياسين الأقباط قاد الاحتجاجات القبطية ضد الانتهاكات التي تعرض
لها الأقباط عقب الانتفاضة. كانت قوة تأثير البابا شنودة وشعبيته تحد من نفوذ
هؤلاء الناشطين المدنين على الأقباط، وفي ظل عدم طرح مرشحين يحظون بشعبية بين
الأقباط حتى الأن فإن الحركة القبطية المدنية مرشحة للتنامي على حساب دور الكنيسة
المعتاد كممثل سياسي للأقباط، وما كان يقبله الأقباط من البابا شنودة من مواقف
سياسية قد لا يقبلونه من البابا الجديد.
لكن حشود الأقباط الضخمة التي أحاطت بالكاتدرائية المرقسية لثلاثة أيام متوالية أثناء
إلقاء نظرة الوداع الأخيرة على البابا تبعث أيضا برسالة أن الأقباط القلون يمكن أن
يمثلوا كتلة سياسية يصعب تجاهلها، ويمكن أن يتعاظم دورهم في حالة ظهور زعيم سياسي
مدني يوظف تلك الطاقات التي تزاحمت حول البابا لصالح ضمان تحول مصر لدولة مدنية ضد
مشروع الدولة الدينية.


No comments: